 عندما تؤرّقنا اللّيالي و ينحني صمت القمر و سكونه أمام عَبَراتنا الحارقة .. عندما ينسانا ربيع الحياة في خريف الأيام و تلوّح السعادة و الابتسامة لنا من خلفحدود الأفق البعيد .. عندما يصبح قلبي كوردةٍ نديَّةٍ تترقّب بسمة الحياة بنظرةٍبريئةٍ متفائلة , اذكرني أيّها الأمل بخير في حضنك الدافئ الحنون و لا تنساني , لأنني تعوّدتُ أن أعيش على نبضك... لقد بعثتُ نفسي سفيرة الأحزان لدى الخلائقجميعاً لأكتب على صحف الشمس لدى عواصم مآسي الأرض قصصاً و رواياتٍ مسطّرةً بالدّموع و طيّرتُ أفراحي و أمانيَّ بعيدةً على جناح السنونو.. لا أدري إن كانت ستعود إلىأشواكي المؤلمة أم أنها ستآثر أن تبقى حرةً طليقةً ترسم أحلى لوحات الحياة في فضاءالتفاؤل ؟؟؟ أيها الأمل : دعني أعبّر عن نفسي , دعني أصرخ من صميم الألم , فلقدأضعتُ في صحرائي قافلة أفراحي و صرتُ أبحث عن ذاتي الممزقة في ذاتي , فوجدتُها تئنُجريحةً بين يديّ القدر.. لعلّ في حياتي الكثير الكثير من الأفراح و لكنْ أشعر أنّالأحزان قد خُلِقتْ لتغسل روحي من ذنوبها و لتطهّرَني من رجسِ الآثام , لعلّني يجبعليّ أن أشكر أحزاني و دموعي قبل أن أوجّه لها خطاب العتاب , قبل أن أجعل منهاترنيمةً حزينةً باكيةً , تجعل كلَّ من يسمعها ينحني تأثراً على سياج الألم والدموع.. هناك تجدوني , بين مشاغبات الطفولة و حلاوة الأيام .. هناك .. حيث تركتُروحي رهينة ًعلى أبواب الوداع ... هناك .. حيث تغنّي براءة الطفولة لي ذكرياتٍلوّنتْ حياتي بأجمل الألوان حتى استحال عمري لوحة فنيةً أبدع في رسمها الخالقالعظيم.. هناك ... حيث نسيتُ أن أكبر.. هناك أبدأ و أنهي تاريخ حياتي..
كلماجلستُ خليلة الوحدة الضاربة في أعماقي.. طالعتُ ذكريات أيام جميلة مرت كنسمة الصباحفي عمري .. حتى ظننتُ نفسي أعيش فيها .. أعيش حاضري في ربوع الذكرى , و أسافر على بساط الابتسامات و الضحكات و أخوض في خضمّ الماضي البعيد لأصل إلى حيث أريد أن أكون , طفلةً صغيرةً لم تعرفْ من الحياة إلا بشراها و لم تذُقْ من الحبّ إلا حلاوته ولم ترَ من الشتاء إلا ألوان قوس قزح و لم تشمَّ من زمهريره و أمطاره إلا رائحةالأرض التي شربت من المطر حتى روت ثَراها الظمآن.. ها قد ملّت أوراقي من كتاباتي المتأوّهة, و أرى قلمي قد سئم من تسطير دموعي على ملامح كلمات.. و أحسّ أنّ قلبي قداحترق من لهيب الآلام المتأججة من حطب القسوة , و أعماقي أحس أنها غرقت في أعماقالأحزان... إنّني أرى قلبي كعصفورٍ جريحٍ يرفرف في برد الشتاء القارس , يعزف فيالأثير ألحاناً شجيّة , حين يسمعها الآخرون يظنّون أن هذا العصفور يصدح فرحاً ويغنّي ابتهاجاً و يستمتعون بسماع صوته الحنون , لكنْ ما يخفى على العالمين أنّ هذاالعصفور لا يغنّي فرحاً و لا دفئاً إنّما ألماً و برداً و إنهم يطربون بصوت حزنهالوحيد الدافئ في برودة هذه الحياة و بردها و قسوتها...
ماذا أقول لكِ أيَّتُهاالحياة ماذا ؟ لعلّكِ أنتِ مَنْ يجب عليكِ أن تقولي لي , بل لعلّكِ تودّينَ أن تنطقي كي تجعلي الناس جميعاً يقرؤون و يفهمون فلسفتكِ السرمديّة التي لم تتغيّر منذ بداية الكون , إنّني رأيتُ مؤخراً أنّ كلّ ما فيكِ قد جعله الله تعالى ينطق باسمكدون أن تنطقي... ها هو الليل الوحيد و قمره الصغير و النجوم صورةٌ عظيمةٌ صنعهاالله بإبداعه , لتعلّمنا أن الحياةَ لو أظلمتْ كلّها سيبقى منها و لو حتى بصيص ضوءهو الأمل بعينه و لو كان يسبح الناس كالنجوم في ظلمة اليأس سوف يدركون نور الأملهذا بوجود الخالق العظيم.. ها هي الشمس التي لا تكلّ و لا تملّ من تجديد عهدهابالحياة كلّ يوم و لم تيئس من أنْ تغزل للسماء ثوباً من النور و التفاؤل بعد أنتعبتْ من حلكة الدجى الطويلة المملّة... ها هي العصافير تغنّي للأمل و الحياة رغمالمشقّة و العذاب الذي خيّم عليهم في الفصول الباردة ذات اللّيل الطويل , لتستقبلالربيع بأحلى الأصوات و النغمات المتمسّكة بالحياة بكلّ قوة... ها هي الأشجارالباسقة تقاوم الرياح المعاكسة لجذورها المثبّتة في عمق الأرض بكلّ صبرٍ و أملٍ فيالحياة. ها هو البحر المفتخر بأمواجه المتراقصة , مليءٌ بالأسرار التي أودعها ربّالعالمين فيه , يخاطب الحياة بصوت موجه و بصمت سرّه دون ملل... و لو شئنا أن نقرأالكثير من آيات الله على الأرض لما انتهينا من الكتابة , فلقد رفعت كلماتي راياتهاالبيضاء أمام عظمة الخالق في خَلْقه , فإنّ كل الجمال في هذا الكون هو تجلٍّ للهالعلي العظيم , و إن كلّ ما خلقه ربّنا اللطيف يعلّمنا الصبر و الأمل و الحبّ والتفاؤل , فلماذا لا نتعلّم ممّا خلق الله على هذه الأرض معنا , لماذا ؟؟ فلنصبر ولنتفاءل و لنفرح و لنعيش بسلام و هدوء لأنّ الله هو ربّنا و ربّ العالمين وقد جعلمن كلّ ما خلقه نبراساً ليضيء لنا درب الحياة ... لنحيا و لنعيش بسلام علّه يحيافينا الأمل من صميم الألم و يُبعَث من جديد.
زهــراء أكسم عوَّاد
|